العلامة المجلسي
29
بحار الأنوار
شيعتنا هم العارفون بالله ، العاملون بأمر الله ، أهل الفضائل ، الناطقون بالصواب مأكولهم القوت ، وملبسهم الاقتصاد ، ومشيهم التواضع ، بخعوا لله تعالى بطاعته ( 1 ) وخضعوا له بعبادته ، فمضوا غاضين أبصارهم عما حرم الله عليهم ، واقفين أسماعهم على العلم بدينهم ، نزلت أنفسهم منهم في البلاء كالذي نزلت منهم في الرخاء ، رضوا عن الله تعالى بالقضاء ، فلولا الآجال التي كتب الله تعالى لهم لم تستقر أرواحهم في أبدانهم طرفة عين ، شوقا إلى لقاء الله والثواب ، وخوفا من أليم العقاب ، عظم الخالق في أنفسهم وصغر ما دونه في أعينهم ، فهم والجنة كمن رآها فهم على أرائكها متكئون . وهم والنار كمن رآها فهم فيها معذبون ، صبروا أياما قليلة ، فأعقبتهم راحة طويلة ، أرادتهم الدنيا فلم يريدوها ، وطلبتهم فأعجزوها ، أما الليل فصافون أقدامهم تالون لاجزاء القرآن يرتلونه ترتيلا ، يعظون أنفسهم بأمثاله ، ويستشفون لدائهم بدوائه تارة ، وتارة يفترشون جباههم وأنفسهم وركبهم وأطراف أقدامهم تجري دموعهم على خدودهم ، يمجدون جبارا عظيما ويجأرون إليه في فكاك أعناقهم ، هذا ليلهم ، وأما نهارهم فحلماء علماء بررة أتقياء ، براهم خوف باريهم ( 2 ) فهم كالقداح تحسبهم مرضى وقد خولطوا وما هم بذلك ، بل خامرهم من عظمة ربهم ، وشدة سلطانه ما طاشت له قلوبهم ، وذهلت منه عقولهم ، فإذا اشتاقوا من ذلك بادروا إلى الله تعالى بالاعمال الزكية ، لا يرضون له بالقليل ، ولا يستكثرون له الجزيل فهم لأنفسهم متهمون ، ومن أعمالهم مشفقون . يرى لأحدهم قوة في دين ، وحزما في لين ( 3 ) وإيمانا في يقين ، وحرصا على
--> ( 1 ) بخع نفسه - بتقديم الباء على الخاء المعجمة المفتوحة - : أنهكها وكاد يهلكها من غم أو غضب . وبخع - بكسر الخاء - بالحق : أقر وأذعن . ( 2 ) أي نحتهم خوف ربهم ، فإنما يخشى الله من عباده العلماء . والقداح جمع القدح بالكسر فيهما : السهم . ( 3 ) الحزم في اللين أن يكون لينه حزما وفى موضعه ، لا عن مهانة وذلة .